ابن تيمية
76
مجموعة الرسائل والمسائل
فمخالفة الخالق لكل مخلوق في الحقيقة أعظم من مخالفة أي مخلوق فرض لأي مخلوق فرض ، ولكن علمه ثبت له حقيقة العلم ولقدرته حقيقة القدرة ولكلامه حقيقة الكلام كما ثبت لذاته حقيقة الذاتية ولوجوده حقيقة الوجود ، وهو أحق بأن تثبت له صفات الكمال على الحقيقة من كل ما سواه ، فهذا هو المراد بقولنا : علمه علم المخلوق في الحقيقة ، فليس ما يسمع من العباد من أصواتهم مشابهاً ولا مماثلاً لما سمعه موسى من صوته إلا كما يشبه ويماثل غير ذلك من صفاته لصفات المخلوقين ، فهذا في نفس تكلمه سبحانه وتعالى بالقرآن ، والقرآن عند الإمام أحمد وسائر أئمة السنة كلامه تكلم به وتكلم بالقرآن العربي بصوت نفسه وكلم موسى بصوت نفسه الذي لا يماثل شيئاً من أصوات العباد ، ثم إذا قرأنا القرآن فإنما نقرأه بأصواتنا المخلوقة التي لا تماثل صوت الرب ، فالقرآن الذي نقرأه هو كلام الله مبلغاً عنه لا مسموعاً منه ، وإنما نقرأه بحركاتنا وأصواتنا ، الكلام كلام البارئ ، والصوت صوت القارئ ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة مع العقل ، قال الله تعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " زينوا القرآن بأصواتكم " . وقال الإمام أحمد في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال : يزينه ويحسنه بصوته كما قال : " زينوا القرآن بأصواتكم " فنص أحمد على ما جاء به الكتاب والسنة أنا نقرأ القرآن بأصواتنا والقرآن كلام الله كله لفظه ومعناه ، سمعه جبريل من الله وبلغه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وسمعه محمد منه ، وبلغه محمد إلى الخلق ، والخلق يبلغه بعضهم إلى بعض ويسمعه بعضهم من بعض ، ومعلوم أنهم إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فبلغوه عنه كما قال : " نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه " فهم سمعوا اللفظ من الرسول بصوت نفسه بالحروف التي تكلم بها وبلغوا لفظه بأصوات أنفسهم ، وقد علم الفرق بين من يروي الحديث